عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

91

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

مجرى الخراب الذي فيه البوادي ، فأما العين فتجري مجرى كوكب بناظرها وشعاعها ، وطبقات العين تجري مجرى أفلاك الكواكب ، ويحدث في البدن جميع ما يحدث في العالم من الرياح والزلازل والطوفان والرجفة ، أعني العطاس والزكام والحميات وغيرها من أنواع مرض البدن فلما كان في العالم الكبير أربع رياح ؛ الريح الربيعي ، والريح الصيفي ، والريح الخريفي والريح الشتوي ، فالريح الربيعي يلقح الأشجار ويثمرها . والصيفي يطبخ الأثمار ويربيها . والخريفي يصفر الأوراق ويخففها . والشتوي يسقطها . فكذلك في العالم الصغير أربع رياح ؛ الجاذبة ، والهاضمة ، والماسكة ، والدافعة ، فالجاذبة تجذب الطعام إلى الحلق وتؤديه إلى الهاضمة لتطبخه وتهضمه وتؤديه إلى الماسكة لتأخذ منافعه وتؤديه إلى كل موضع في البدن ما هو محله ، وتؤدي نقله إلى الدافعة لتخرجه فكما أن في العالم الكبير لو لم يكن ريح من الريح الأربع لخرب ، كذلك لو لم يكن ريح من هذه الرياح في العالم الصغير لخرب ، وكما أن في العالم الكبير أربع مياه مالح ومر ومنتن وعذب ، كذلك في العالم الصغير أربع مياه : المالح : وقد وضعه في العين بالحكمة ؛ لأن في العين الشحم وعلاج الشحم بالملح . المر : ووضع المر في الأذن ليصونها من الحشرات . المنتن : ووضع في الأنف ليحفظ ما يتولد من الدماغ ، لئلا يخرج منه وليتميز به الروائح . العذب : ووضع العذب في الفم ليطيبه ويقلب به اللسان في التكلم ويتذوق الطعام للبلع . وكما أن في العالم الكبير السماوات السبع وفي كل سماء كوكب سيار كذلك في العالم الصغير الرأس بمثابة السماوات ، وهو مبني على الطبقات السبع في كل طبقة منها قوة بمثابة كوكب سيار ، كالمتخيلة ، والمتوهمة ، والمتفكرة ، والحافظة ، والذاكرة ، والمدبرة والحس المشترك . وكما أن في السماوات سكانا من الملائكة كذلك في الرأس سكان من الحواس ؛ البصر ، والسمع ، والشم والذوق ، واللمس . ثم إن في البدن ما يتحرك من ذاته بالطبع ولا يسكن البتة ، كالقلب ومنه ما هو ساكن بذاته بالطبع يتحرك ومنه ما حرك بالقهر وبالعرض كما في العالم الكبير ، وإن القلب بمثابة العرش ، والسر بمثابة الكرسي واستواء الروح على عرش القلب بمثابة استواء الصفة الرحمانية على العرش ، فأما ما يختص من البدن بالبروج الاثني عشر والكواكب